سر الأدب الروسي

0
19

يخيل إلي أن أكثر ما أعطى روسيا صفة، أو نكهة العالمية، هو آدابها. لقد أخفقت كإمبراطورية أيام القياصرة، وأخفقت مرة أخرى في البقائية بعد انتصارات الحرب العالمية الثانية وانتشار الشيوعية، لكن آداب العالم رفعت الراية لشاعر مثل ألكسندر بوشكين وكوكبة مذهلة من الروائيين والمسرحيين. ولا أعتقد أدبا غربيا يستطيع أن يدعي أن لديه نظيرا لتولستوي أو دوستويفسكي، كما أن ما من لغة غربية تستطيع أن تدعي رديفا لشكسبير.

ثمة ظاهرة غريبة.. فبقدر ما أعرف – وما أعرفه قليل – لم تلعب المرأة، أو بالأصح الزوجة، دورا جوهريا في حياة الأديب كما لعبت في دور المؤلف الروسي. بوشكين قتل في مبارزة غيرة على زوجته الحسناء. لكن تولستوي ودوستويفسكي ثم فلاديمير نابوكوف وأليكسي سولجنتسين في القرن العشرين، كانت زوجاتهم نصف آدابهم. عانت زوجة سولجنتسين أكثر مما عانى من اضطهاد وملاحقة الــ(كي جي بي)، ولم تتهاون يوما واحدا في طباعة أعماله وتهريبها وحفظها وأرشفتها. وعندما أبعد اختار العزلة في الريف الأميركي غير الآهل. وظلت هي طوال عشرين عاما السكرتيرة والطاهية والسائقة والأم. فلم يكن كأب يعطي أولاده أكثر من ساعة في النهار، بموجب موعد مسبق. الباقي كان للكتابة.

آنا، لاحقا زوجته، جاءت إلى دوستويفسكي لتعمل طابعة خبيرة في الاختزال. كان فارق السن كبيرا كما بين سولجنتسين وناتاليا، وتولستوي وصوفيا. لكنها، مثلهن، سوف تكرس حياتها للرجل الصعب. في الأيام الأولى لشهر العسل، طُلب منه أن ترهن ثيابها الجديدة لكي يخسر الأموال في القمار. مرض دمر حياته طوال عقد، وانتهى بروايته الرائعة «المقامر»، صورة الإنسان ذليلا أمام ضعفه، مهانا أمام انكساره.

لكن آنا دوستويفسكي لم تتركه لحظة. كانت تعرف أن هذا الرجل الذي يملي عليها قصصه كل يوم سوف يصبح ألمع الأسماء في روسيا. ولم يطل انتظار النجاح. لكن شقاء آنا بقي كما هو مثل شقاء ناتاليا وصوفيا تولستوي. سوف يكتب كم كان مدينا لآرائها وملاحظاتها. وسوف يقول سولجنتسين إن زوجته كانت أفضل رئيس تحرير عرفه في حياته. وكذلك سوف يقول فلاديمير نابوكوف عن زوجته.

وصفت آنا اللقاء الأول مع أسطورة الأدب الروسي بالقول: «يستحيل أن أصف في كلمات الانطباع الذي تركه في اللقاء الأول مع فيودور ميخائيلوفيتش. لقد بدا ساهيا، شديد القلق، يائسا، وحيدا متذمرا وأقرب إلى المرض. بدا كأنه حطام مكسور بما لاحقه من مساوئ الحظ حتى إنه لم يكن قادرا على التركيز».

أخذت هذا الحطام واعتنت به مثل أم. وربما أكثر. ذلك جزء كبير من سر الأدب الروسي.

نقلاً عن “الشرق الأوسط”
 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here