فكر الإنكار والسلبية والمقاطعة؟!

0
14

هل تشارك أو تقاطع في عملية سياسية ما، وسواء كانت هذا العملية تتعلق بالانتخابات العامة في بلد عربي، أو في التعامل مع الخصوم والأعداء، أو في الاشتباك مع أي طرف آخر لا تتطابق مصالحه مع مصالحك؛ هو سؤال مطروح دوما ويلقي الكثير من المناقشات، وفي البرامج الحوارية التلفزيونية يلقى الكثير من الاحتفاء لأن الإجابات تدور بين الأبيض والأسود، وما بين الجنة والنار دون تحديد أين تقع الحدود بين النعيم ولهيب جهنم.

الاعتقاد الذائع أن المشاركة تعني إعطاء الشرعية لطرف ما أو لقضية أو لعملية من نوع أو آخر، هي ليست إجرائية بحال، وهي ليست سياسة تقع في إطار البدائل والإمكانيات وما هو متاح وما هو على العكس مستحيل. ومن ثم فإن عكس المشاركة – وهو المقاطعة – يأخذ منحى آخر، فيه بعض من استعلاء مانح الشرعية الذي حرم منها طرفا أو قضية أو عملية، ولكن فيها بعضا من الاعتقاد الزائف بأنه لا توجد بدائل أخرى، واستمرار الأوضاع على ما هي عليه سوف تبقى حقا على ما هي عليه، وإذا تحسنت فلا بد وأنها سوف تسير في المسار الذي يريده الطرف المقاطع. لاحظ هنا أنه لا يرد في حسابات المشاركة أو المقاطعة حساب توازن القوى بين الأطراف المشاركة وما تستطيعه كل منها، وحتى حينما يحدث حساب للتوازن فإنه عادة ما يتم فيه التقليل من قدرات الطرف المخالف، والاعتماد على أن الشعب يؤيد وبشدة الطرف صاحب القرار.

الواقع أكثر تعقيدا من ذلك، وكان قرار المقاطعة العربي لإسرائيل على سبيل المثال قائما على أن هناك طاقة اقتصادية عظمى يمكنها الضغط على الشرق والغرب وإسرائيل بالطبع كي تمتثل للإرادة العربية. لم تكن النتيجة كما يرغب العرب، وكانت الخسارة الإسرائيلية محتملة من جانب الإسرائيليين، وكانت لديهم الفرصة للدعاية المضادة للعرب في كل المحافل الدولية. وخلال التسعينيات نشأ تيار متواضع في العالم العربي يطلب المراجعة، وكان الزمن وقتها مواتيا سواء في العالم أو المنطقة أو داخل إسرائيل حتى بات حل الدولتين قريبا، ولكن جماعة لم تكن تشكل أغلبية فلسطينية بحال رأت أن ذلك يعطي شرعية للمشروع الصهيوني الذي لا ينفع معه إلا النضال بالمقاطعة والكفاح المسلح. سقطت المشاركة والاشتباك وانتصر أنصار المقاطعة وكانت لهم الانتفاضة المسلحة، وانتهت كل أشكال الحوار ولكن النهاية كانت مفجعة بالمستوطنات الممتدة، والاحتلال الفعلي الذي لا يدفع فيه الإسرائيليون ثمنا سياسيا أو ماديا، وانقسم الفلسطينيون على أي حال حتى ولو كان جميعهم واقعين خلف أسوار الحصار. ومع انتهاء المحاولة ووصول الانتفاضة إلى طريق مسدود بالدم والأشلاء، لم تكن صفقة «المبادرة العربية» تكفي، وانقلب الأمر فأصبحت إسرائيل هي التي تقاطع.

البحث في فكرة المشاركة والمقاطعة جاء الآن بما يدور في الساحة المصرية حول موقف المعارضة هل تشارك أم تقاطع؟ كل القسمات ظهرت فلا أحد يعرف إذا جرى حساب لتوازنات القوى السياسية حاليا، ولكن الكل بات يعرف الكثير عن الشرعية التي سيتم منحها إذا ما جرت المشاركة. والعجيب أن أحدا لا يريد دراسة التجربة ذاتها في الماضي حينما ذهبت الأحزاب المصرية إلى مقاطعة الانتخابات البرلمانية عام 1990، وكانت النتيجة أن الحزب الوطني ملأ الفراغ دون معارضة من أي نوع، وبعد ذلك لم يعد أحد يسمع عن المعارضة حتى جاء إليها حوار وطني عام 1994 كان كافيا كي تدخل الانتخابات ولا تحصل على شيء تقريبا حيث لم يعد أحد يتذكر من كان غائبا. الإخوان المسلمون وحدهم تعلموا من الدرس، ولم يتركوا انتخابات إلا دخلوها، وحصلوا على القليل، وأحيانا الكثير، لكن الوظيفة لم تتغير وهي الوجود السياسي وخلق البديل أمام المواطن، وجاء الوقت الذي أصبح البديل في الحكم وفي يده السلطة ويفعل ما فعله غيره من قبل.

والحقيقة أن قضية الشرعية المزعومة لم تشغل بال أحد معه السلطة أو القوة ويستطيع أن يطوعها لكي يجعل الشرعية قانونية أو سياسية حسب مقتضى الحال.

فكر المقاطعة لديه ميل كبير لإنكار الواقع واستبعاده دائما من الذاكرة، ومع الإنكار تأتي آفة أخرى وهي وضع أهداف غير محدودة لا يقف وراءها إلا قدرات محدودة، ويعبر الفجوة الموضوعية بين الجانبين شعارات كبرى نبيلة المعنى ولكنها جوفاء من الناحية العملية، وعلى الأغلب يتم تعويض فقر القدرات من خلال التعبيرات المجردة عن «الشعب» و«الجماهير» التي قد تتحرك في اتجاه الطرف الآخر كما جرى في انتخابات واستفتاءات كثيرة، أو تأخذ مسارها الخاص بعيدا عن كل الأطراف فتعيش في الفوضى أو حالة من التدمير الذاتي التي تجذب وطنا بأكمله إلى الهاوية.

فالتصور السائد لدى المعارضة المصرية على سبيل المثال أن بضع خيم في ميدان التحرير هي في جوهرها جزء من «الثورة المستمرة» التي أطاحت بالنظام من قبل، ويمكنها الآن الإطاحة بنظام آخر، هذا التصور فيه قدر هائل من المبالغة والسخف أحيانا حينما ينطبق ما يجري في الميدان على ما يحدث في بورسعيد أو سيناء. «الجماهير» في كل الأحوال لها منطقها الخاص، ليس فقط الذي يمكن التلاعب به من قبل أطراف ليس لها مصلحة متماثلة مع مصالح المعارضة، ولكنها يمكن التلاعب بها عن طريق أفراد أو جماعات متطرفة. لا أتصور على سبيل المثال أن «رقصة هارلم» وفقا لمشابهات غربية عند مقر جماعة الإخوان في المقطم هي جزء من الحركة السياسية الساعية لبناء مجتمع ديمقراطي ليبرالي في مصر.

الغريب في الأمر أن من يثيرون قضية المشاركة والمقاطعة يخسرون القضية بمجرد إثارتها، لأن المنطق السياسي يجعل المشاركة من البديهيات، ولكن لو كانت القضية هي الرقابة والإشراف ونزاهة الانتخابات لكانت القضية مختلفة وكان الطرف المهاجم بالقدرة الدائمة على الفوز في صناديق الاقتراع هو الذي ينتقل إلى حالة الدفاع عن مدى قدرته على حماية هذه الصناديق من العبث. هنا فإن كفاءة النظام كلها تصبح موضع التساؤل فالجماهير لا تولي وجهها بعيدا عن نظام إذا زور الانتخابات فقط، وإنما إذا لم يكن عنده الكفاءة والقدرة على حماية الوطن في الخارج والداخل من العدوان والانشقاق والفقر وإدارة شؤون الدولة المعتادة. المشاركة أو المقاطعة جزء من المباريات السياسية، وعادة لا يفوز طرف إذا غاب عن أحد المباريات من الأصل.

نقلاً عن صحيفة “الشرق الأوسط”

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here