مقال لمدير السي آي إيه: التجسس جزء أصيل من فن الحكم | سياسة

0
11


نشرت مجلة “فورين أفيرز” الأميركية مقالا طويلا لمدير وكالة المخابرات الأميركية (سي آي إيه) وليام بيرنز يتحدث فيه عن وظيفة الاستخبارات، وتطورها، وما يجب أن تكون عليه في العصر الحالي مع إبراز بعض آرائه حول أهم قضايا العالم حاليا.

واستهل بيرنز مقاله بالقول إنه ما دامت الدول تحجب الأسرار عن بعضها بعضا، فقد حاولت سرقتها من بعضها بعضا. وكان التجسس وسيظل جزءا لا يتجزأ من فن الحكم، حتى مع تطور تقنياته باستمرار.

وأشار إلى أن الاختبار الحاسم للتجسس هو التوقع الناجح، ومساعدة صانعي السياسات على التنقل بسلاسة في التحولات العميقة بالمشهد الدولي خلال اللحظات المفصلية التي لا تأتي إلا بضع مرات كل قرن.

 لحظة مفصلية

وقال إن أميركا تواجه اليوم واحدة من تلك اللحظات النادرة، مثل فجر الحرب الباردة أو فترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، إذ يشكل صعود الصين والانتقام الروسي تحديات جيوسياسية مروعة في عالم من المنافسة الإستراتيجية الشديدة، حيث لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بالقوة التي لا منافس لها، وتتصاعد فيه التهديدات المناخية الوجودية.

وأضاف أن الوقت الراهن هو وقت التحديات التاريخية لوكالة المخابرات المركزية ومهنة الاستخبارات بأكملها، مع التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية التي تشكل اختبارا أكبر مما تمت مواجهته في أي وقت مضى. وسيتطلب الأمر التكيف مع عالم يكون فيه التنبؤ الآمن هو الوحيد الذي سيتسارع.

ومما يزيد الأمور تعقيدا، يضيف بيرنز، بروز ثورة في التكنولوجيا أكثر شمولا من الثورة الصناعية أو بداية العصر النووي، فمن الرقائق الدقيقة إلى الذكاء الاصطناعي إلى الحوسبة الكمومية، تعمل التقنيات الناشئة على تغيير العالم، ومنها مهنة التجسس. ومن نواح عديدة، تجعل هذه التطورات مهمة وكالة المخابرات المركزية أصعب من أي وقت مضى، مما “يمنح الخصوم أدوات جديدة قوية لإرباكنا والتهرب منا والتجسس علينا”.

المزج بين التقنيات الناشئة والمهارات البشرية

ومع ذلك، يقول مدير “سي آي إيه” بقدر ما يتغير العالم، يظل التجسس تفاعلا بين البشر والتكنولوجيا، وستظل هناك أسرار لا يستطيع سوى البشر جمعها وعمليات سرية لا يستطيع سوى البشر القيام بها. ولكي تكون خدمة الاستخبارات فعالة في القرن الـ21، يجب على وكالة المخابرات المركزية أن تمزج بين إتقان التقنيات الناشئة والمهارات الشعبية والجرأة الفردية التي كانت دائما في قلب مهنة التجسس.

دبلوماسية الاستخبارات

ثم يتحدث المسؤول الأميركي عما تفعله الوكالة بالمعلومات الاستخباراتية التي تجمعها، قائلا إن ذلك يتغير أيضا. فقد أصبح “رفع السرية الإستراتيجي”، الكشف العلني المتعمد عن أسرار معينة لتقويض المنافسين وحشد الحلفاء، أداة أكثر قوة لصانعي السياسات. ومجتمع الاستخبارات يتعلم أيضا القيمة المتزايدة لدبلوماسية الاستخبارات، ويكتسب فهما جديدا لكيفية مساعدة صانعي السياسات من أجل دعم الحلفاء ومواجهة الأعداء.

ثم دلف بيرنز، بعد ذلك، إلى الحديث عن أهم القضايا العالمية الراهنة، وبدأ بالقول إن حقبة ما بعد الحرب الباردة قد وصلت إلى نهايتها التامة في اللحظة التي غزت فيها روسيا أوكرانيا في فبراير/شباط 2022.

إصرار مأساوي للسيطرة على أوكرانيا

وزعم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجسد انعدام الأمن حاليا، وأن إصراره المأساوي والوحشي على السيطرة على أوكرانيا قد جلب العار لروسيا، وكشف نقاط ضعفها، من اقتصادها أحادي البعد إلى براعتها العسكرية المتضخمة إلى نظامها السياسي الفاسد، كما دفع الشعب الأوكراني إلى العزم والتصميم المذهلين للتحرر، بالإضافة إلى جر روسيا إلى وضع التابع اقتصاديا للصين، كما دفع حلف “الناتو” إلى النمو بشكل أكبر وأقوى.

وتوقع أن يكون هذا العام صعبا في حرب أوكرانيا، وربما يكون اختبارا للبقاء في السلطة، ويتمثل التحدي الذي تواجهه أوكرانيا في اختراق “غطرسة بوتين” وإظهار التكلفة الباهظة التي تتحملها روسيا من استمرار الصراع، ليس فقط من خلال إحراز تقدم على الخطوط الأمامية، ولكن أيضا من خلال شن ضربات أعمق خلفها وتحقيق مكاسب ثابتة في البحر الأسود.

وتوقع أن ينخرط بوتين، مرة أخرى في قعقعة السيوف النووية، قائلا سيكون من الحماقة بالنسبة لأوكرانيا استبعاد المخاطر التصعيدية تماما، ولكن سيكون من الحماقة أيضا أن تخضع للترهيب.

مفتاح النجاح استمرار المساعدات لأوكرانيا

وقال بيرنز إن مفتاح النجاح يكمن في الحفاظ على المساعدات الغربية لأوكرانيا، مضيفا أن هذه المساعدات بالنسبة لأميركا استثمار قليل التكلفة نسبيا مع عوائد جيوسياسية كبيرة لها وعوائد ملحوظة للصناعة الأميركية، مضيفا أن انسحاب الولايات المتحدة من الصراع في “هذه اللحظة الحاسمة” وقطع الدعم عن أوكرانيا ستكون له عواقب سلبية تاريخية.

أما القضية الثانية التي تحدث عنها الكاتب، فهي منافسة الصين لبلاده، واصفا بكين بالمنافس الوحيد الذي لديه نية لإعادة تشكيل النظام الدولي ولديه القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية للقيام بذلك.

وقال إنهم في مهنة الاستخبارات، يدرسون بعناية ما يقوله القادة، لكنهم يولون المزيد من الاهتمام لما يفعلونه داخل بلدانهم وخارجها. وبالنسبة للرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي وصفه بأنه يميل إلى رؤية الولايات المتحدة كقوة متلاشية، فإن الدعم الأميركي القوي لأوكرانيا كان بالتأكيد مفاجئا.

وأضاف بيرنز أن استعداد الولايات المتحدة لإلحاق الألم الاقتصادي ببوتين يتناقض بقوة مع اعتقاد بكين أن أميركا كانت في حالة تدهور نهائي، مضيفا أن واحدا من أضمن الطرق لتتمسك الصين بتصوراتها حول التدهور الأميركي وتأجيج العدوانية الصينية، هو تخلي واشنطن عن الدعم لأوكرانيا، مشيرا إلى أن الدعم المادي المستمر لأوكرانيا لا يأتي على حساب تايوان، إنه يرسل رسالة مهمة عن عزم الولايات المتحدة على مساعدة تايوان.

خطورة الاعتماد على دولة واحدة

وقال بيرنز إن أهم الدروس التي تعلموها من جائحة (كوفيد-19) والحرب الروسية في أوكرانيا، هي أن الاعتماد على دولة واحدة للحصول على الإمدادات الطبية الملحة وعلى الطاقة، أمر خطر في عالم اليوم. وأن أفضل استجابة لهذه المخاطر هي التنويع بشكل معقول، تأمين سلاسل التوريد في الولايات المتحدة، وحماية تفوقها التكنولوجي، والاستثمار في قدرتها الصناعية.

واستمر يتحدث عن المخاطر التي تواجهها بلاده ليقول إنه في هذا العالم المتقلب والمنقسم، يزداد وزن “القوى متوسطة القوة”، خاصة في جنوب العالم العازم بشكل متزايد على تنويع علاقاته لتعظيم خياراته، مضيفا أن دول الجنوب ترى أن التمسك بالعلاقات الجيوسياسية الأحادية مع الولايات المتحدة أو الصين، قليلة الفائدة وكثيرة المخاطر، ومن المرجح أن تنجذب المزيد من الدول إلى تبني علاقات جيوسياسية مفتوحة، أو على الأقل “معقدة”، ولذلك يجب على واشنطن أن تكون منتبهة للمنافسات بين العدد المتزايد من القوى الوسطى، والتي ساعدت تاريخيا في إثارة الاصطدامات بين القوى الكبرى.

هجوم حماس

وقال إن الأزمة التي عجل بها هجوم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول الماضي هو تذكير مؤلم بتعقيد الخيارات التي لا يزال الشرق الأوسط يطرحها على الولايات المتحدة. وستبقى المنافسة مع الصين أولوية قصوى لواشنطن، لكن هذا لا يعني أنها تستطيع التهرب من التحديات الأخرى. وهذا يعني فقط أن على الولايات المتحدة أن تتنقل بحذر وانضباط، وأن تتجنب التجاوز، وأن تستخدم نفوذها بحكمة.

وأضاف أن الشرق الأوسط حاليا أكثر تشابكا أو انفجارا من أي وقت مضى، وأن إنهاء العملية البرية الإسرائيلية المكثفة في قطاع غزة، وتلبية الاحتياجات الإنسانية العميقة للمدنيين الفلسطينيين الذين يعانون، وتحرير المحتجزين، ومنع انتشار الصراع إلى جبهات أخرى في المنطقة، وتشكيل نهج عملي لـ”اليوم التالي” في غزة، جميعها مشاكل صعبة للغاية.

شي جين بينغ يميل إلى رؤية الولايات المتحدة كقوة متلاشية (الفرنسية)

وأكد أن إحياء الأمل في سلام دائم يضمن أمن إسرائيل، وكذلك إقامة دولة فلسطينية، والاستفادة من الفرص التاريخية للتطبيع مع السعودية ودول عربية أخرى، أمور يصعب تخيل احتمالاتها وسط الأزمة الحالية، لكن من الصعب تخيل الخروج من الأزمة دون متابعتها بجدية.

معرفة نوايا القادة أصبحت أكثر صعوبة

وقال بيرنز إن مفتاح أمن إسرائيل -والمنطقة- هو التعامل مع إيران حول برنامجها النووي وتمكين العدوان الروسي وكبح الحوثيين، مضيفا أن الولايات المتحدة ليست مسؤولة حصرا عن حل أي من مشاكل الشرق الأوسط المزعجة، لكن لا يمكن إدارة أي منها، ناهيك عن حلها، بدون قيادة أميركية نشطة.

وأضاف أن المشهد الجديد في العالم يمثل بالنسبة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، التي تركز على الذكاء البشري، وسط عالم يقود فيه خصما الولايات المتحدة الرئيسيان -الصين وروسيا- “يعملون مستبدين داخل دوائر صغيرة من المستشارين”، أصبحت النظرة الثاقبة لنوايا القادة، أكثر أهمية وأكثر صعوبة من أي وقت مضى.

ووضح بيرنز إنه كما بشرت 11 سبتمبر/ أيلول 2001 بعصر جديد لوكالة المخابرات المركزية، وكذلك فعل غزو روسيا لأوكرانيا، فهو فخور للغاية بالعمل الذي قامت به الوكالة وشركاؤها الاستخباراتيون لمساعدة الرئيس وكبار صانعي السياسة الأميركيين -وخاصة الأوكرانيين أنفسهم- لإحباط بوتين.

فرصة للتجنيد لن يدعوها تذهب سدى

وتابع بيرنز أنه تحت السطح الكثيف للدعاية والقمع الحكومي الروسيين والتيار الخفي من السخط تبرز فرص للتجنيد، لا تأتي إلا مرة واحدة في كل جيل لوكالة المخابرات المركزية، وأنهم لن يدعوا ذلك يذهب سدى.

وفي حين أن روسيا قد تشكل التحدي الأكثر إلحاحا، يقول بيرنز، فإن الصين هي التهديد الأكبر على المدى الطويل، وعلى مدار العامين الماضيين، أعادت وكالة المخابرات المركزية تنظيم نفسها لتعكس هذه الأولوية.

وتحدث مدير “سي آي إيه” بالتفصيل عن تجهيزاتهم لمواجهة الصين، وقال أيضا إنهم في الوقت الذي تستهلك فيه الصين وروسيا الكثير من اهتمامهم، فإنهم لا يستطيعون إهمال التحديات الأخرى، من مكافحة “الإرهاب” إلى عدم الاستقرار الإقليمي، ومحاربة “غزو الفنتانيل”، وهو مادة أفيونية اصطناعية تقتل عشرات الآلاف من الأميركيين كل عام.

وهناك تحديات إقليمية مألوفة، يضيف بيرنز، تلوح في الأفق، ليس فقط في الأماكن التي طالما اعتبرت ذات أهمية إستراتيجية، مثل كوريا الشمالية وبحر جنوب الصين، ولكن أيضا في أجزاء من العالم لن تنمو أهميتها الجيوسياسية إلا في السنوات المقبلة، مثل أميركا اللاتينية وأفريقيا.

فرص تاريخية جديدة لمحللي الوكالة

واستمر يقول إن الثورة في الذكاء الاصطناعي، وسيل المعلومات المفتوحة المصدر إلى جانب ما يجمعونه سرا، تخلق فرصا تاريخية جديدة لمحللي وكالة المخابرات المركزية، وأنهم يعملون على تطوير أدوات جديدة للذكاء الاصطناعي للمساعدة في استيعاب كل تلك المواد بشكل أسرع وأكثر كفاءة، وتحرير الضباط للتركيز على ما يفعلونه بشكل أفضل، وأن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل المحللين البشريين، لكنه بدأ يمكنّهم بالفعل.

وقال إنه، في بعض الأحيان، يكون من الأنسب لضباط المخابرات التعامل مع الأعداء التاريخيين في المواقف التي قد يشير فيها الاتصال الدبلوماسي إلى اعتراف رسمي، ولهذا السبب تواصلوا مع طالبان أفغانستان، وفي بعض الأحيان، يمكن أن توفر علاقات الوكالة في أجزاء معقدة من العالم إمكانيات عملية، كما هو الحال في المفاوضات الجارية مع مصر وإسرائيل وقطر وحماس حول وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية وإطلاق سراح الرهائن من غزة، وفي بعض الأحيان، يمكن أن تزيل مثل هذه العلاقات ثقلا في العلاقات المليئة بالصعود والهبوط السياسي، وفي أحيان أخرى، يمكن لدبلوماسية المخابرات أن تشجع على تقارب المصالح، وتدعم بهدوء جهود الدبلوماسيين وصانعي السياسات الأميركيين.



Source link

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here